أحمد بن محمود السيواسي
188
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
رَحْمَتِهِ ) أي قدام المطر ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) [ 48 ] أي بليغا في طهارته ، لأنه مطهر لغيره بعد كونه طاهرا في نفسه ، وذكر الطهور لإكرام الأناسي وتتميم المنة عليهم بسقيهم منه ويزيل اسم الطهور عن الماء تيقن مخالطة النجاسة أو غلبة ظنها أو استعماله في البدن لأداء عبادة ، وعلل إنزاله بقوله ( لِنُحْيِيَ بِهِ ) أي بالماء ( بَلْدَةً ) أي بلدا ( مَيْتاً ) كقوله « إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ » « 1 » ، أي قفر لا نبات فيه ( وَنُسْقِيَهُ ) أي الماء ( مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً ) مفعول « نُسْقِيَهُ » و « مِمَّا خَلَقْنا » حال من « أَنْعاماً » ، وذكر الأنعام من بين الحيوان الشارب لكونها قنية الأناسي في الانتفاع بها وكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بالسقي ( وَأَناسِيَّ كَثِيراً ) [ 49 ] جمع إنسان ، أصله أناسين فأبدلت النون ياء وأدغمت الياء فيها ، وقدمت الأرض على الأنعام والأناسي لأن حيوة الأرض سبب لحيوتهما ، ووصف الأناسي بالكثرة لأن عيش أكثرهم بما ينزل اللّه عليهم من السماء من الماء وللقليل منهم غنية عنه لمنابع الماء والأنهار الجارية . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 50 ] وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 50 ) ( وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ ) أي فرقنا المطر ( بَيْنَهُمْ ) في البلدان المتفرقة والأزمان المختلفة ، قيل : « ما عام أمطر من عام ولكن اللّه يصرفه في الأرض » « 2 » أو معنى « التصريف » أنه صرف ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر في القرآن وفي سائر الكتب ( لِيَذَّكَّرُوا ) أي ليتفكروا ويعرفوا حق نعمته عليهم فيشكروا ( فَأَبى ) أي امتنع من التوحيد ( أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) [ 50 ] أي جحودا للنعمة وهو قولهم مطرنا بنوء كذا ، والنوء النجم ، ولا يذكرون صنع اللّه ورحمته . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 51 ] وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) ( وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ) في زمانك ( نَذِيراً ) [ 51 ] أي رسولا ولكن بعثناك رسولا إلى كل القرى اختصاصا لك بالرسالة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 52 ] فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) ( فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ ) فيما يريدونك من ترك الإبلاغ لأنهم يجتهدون في توهين أمرك ، فقابلهم باجتهادك بما تغلبهم به ( وَجاهِدْهُمْ بِهِ ) أي بالقرآن ( جِهاداً كَبِيراً ) [ 52 ] أي شديدا تعلوهم . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 53 ] وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) المرج الخلط ، أي أرسلهما وخلاهما متجاورين متلاصقين في مجاريهما ، واللّه تعالى يفصل بينهما بقدرته ويمنعهما التمارج ( هذا ) أي أحدهما ( عَذْبٌ فُراتٌ ) أي شديد العذوبة ( وَهذا ) أي الآخر ( مِلْحٌ أُجاجٌ ) أي شديد الملوحة ، والمراد بهما بحرا فارس والروم ( وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً ) أي حاجزا وكل برزخ حاجز لئلا يختلط أحدهما بالآخر وأن لا يتغير طعمهما ( وَحِجْراً مَحْجُوراً ) [ 53 ] أي كلمة استعاذة يقولها المتعوذ وقد وقعت هنا على سبيل المجاز كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ، ويقول له حجرا محجورا لئلا يجور أحدهما على الآخر بالممازجة ، يعني حرم على العذب أن يملح وحرم على المالح أن يعذب بالاختلاط . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 54 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً ) أي النطفة إنسانا ( فَجَعَلَهُ نَسَباً ) أي ذا نسب بأن يقال له يا فلان بن فلان ( وَصِهْراً ) أي ذا صهر وهو الختن ، يعني قسم البشر قسمين ، ذوي نسب ، أي ذكورا ينسب إليهم وذوات صهر ، أي إناثا يصاهر ، أي يخالط بهن ، قال علي رضي اللّه عنه : « النسب ما لا يحل نكاحه من القرابة ،
--> ( 1 ) فاطر ( 35 ) ، 9 . ( 2 ) عن ابن مسعود ، انظر السمرقندي ، 2 / 463 .